ابن عربي
306
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
« وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ » فإن من نسي حق اللّه الذي أمره اللّه بإتيانه فقد نسي اللّه فإنه ما شرعه له إلا اللّه ، فترك حق اللّه « فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ » وصورة ذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : [ من عرف نفسه عرف ربه ] فمن نسي اللّه نسي نفسه بالضرورة ، نسي ما للّه عليها من الحقوق ، وما لها من الحقوق ؛ فكان في نسياننا للّه أن أنسانا اللّه أنفسنا ، فنهينا عن ذلك ، فهذه وصية إلهية صحيحة ، وقد نهانا اللّه أن نكون كالذين نسوا اللّه فنسيهم ، فنهانا أن ننسى اللّه مثل ما نسوه لنقوم بحق اللّه ، ونقيم حق اللّه في الأشياء على نية صالحة وحضور مع اللّه ، فيجازينا اللّه جزاء استحقاق استحققناه بأعمالنا التي وفقنا اللّه لها ، والذين نسوا اللّه تركوا حق اللّه « أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » فأعاد الضمير عليهم ، أي الخارجون عن الطريق المشروع . [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 20 إلى 21 ] لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) [ العلم وتحمل نزول القرآن على القلب : ] أترى هذا الخشوع والتصدع من خشية اللّه عن غير علم بقدر ما أنزل اللّه عليه ؟ وما خاطب من التخويفات التي تذوب لها حمم الجبال الشامخات ؟ وقد وصف الحق الجبل بالخشية ، وعين وصفه بالخشية عين وصفه بالعلم بما أنزل عليه ، قال تعالى : ( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) فهذه الآية تشير إلى شرف الجماد على الإنسان ، أترى خشوعه وتصدعه لجهله بما أنزل عليه ؟ لا واللّه إلا بقوة علمه بذلك وقدره ، ألا تراه عزّ وجل يقول لنا في هذه الآية : « وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » فإنهم إذا تفكروا في ذلك